الشيخ الطبرسي

292

تفسير مجمع البيان

وإنما يجوز البدل في هذا إذا كان وقت اختصامهم وقت قول الملائكة ليكون البدل المبدل منه في المعنى . المعنى : ( ذلك ) إشارة إلى ما تقدم ذكره من حديث مريم وزكريا ويحيى ( من انباء الغيب ) أي : من أخبار ما غاب عنك ، وعن قومك ( نوحيه إليك ) أي : نلقيه عليك معجزة وتذكيرا ، وتبصرة وموعظة وعبرة . ووجه الإعجاز فيه أن ما غاب عن الانسان ، يمكن أن يحصل علمه بدراسة الكتب ، أو التعلم ، أو الوحي . والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يشاهد هذه القصص ، ولا قرأها من الكتب ، ولا تعلمها . إذ كان نشؤه بين أهل مكة ، ولم يكونوا أهل كتاب . فوضح الله أن أوحى إليه بها . وفي ذلك صحة نبوته . ( وما كنت ) يا محمد ( لديهم ) عندهم ( إذ يلقون أقلامهم ) التي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء ، على ما تقدم ذكره قبل . وقيل أقلامهم : أقداحهم للاقتراع ، جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة ( أيهم يكفل مريم ) وفيه حذف أي : لينظروا أيهم تظهر قرعته ، ليكفل مريم . وهذا تعجيب من الله نبيه " صلى الله عليه وآله وسلم " من شدة حرصهم على كفالة مريم ، والقيام بأمرها ، عن قتادة . وقيل : هو تعجيب من تدافعهم لكفالتها ، لشدة الأزمة التي لحقتهم ، حتى وفق لها خير الكفلاء لها زكريا . ( وما كنت لديهم إذ يختصمون ) فيه دلالة على أنهم قد بلغوا في التشاح عليها إلى حد الخصومة . وفي وقت التشاح قولان أحدهما : حين ولادتها ، وحمل أمها إياها إلى الكنيسة ، تشاحوا في الذي يحضنها ، ويكفل تربيتها ، وهذا قول الأكثر . وقال بعضهم : كان ذلك وقت كبرها وعجز زكريا عن تربيتها . وفي هذه الآية دلالة على أن للقرعة مدخلا في تميز الحقوق . وقد قال الصادق " عليه السلام " : ما تقارع قوم ، ففوضوا أمورهم إلى الله تعالى ، إلا خرج سهم المحق . وقال : أي قضية أعدل من القرعة ، إذا فوض الأمر إلى الله تعالى ، يقول : ( فساهم فكان من المدحضين ) . وقال الباقر : أول من سوهم عليه مريم ابنة عمران ، ثم تلا ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ) الآية . والسهام ستة ثم استهموا في يونس ، ثم كان عبد المطلب ولد له تسعة بنين ، فنذر في العاشر إن يرزقه الله غلاما أن يذبحه ، فلما ولد له عبد الله لم